الغزالي

29

إحياء علوم الدين

بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصِ النَّقِىِّ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ « قال الراوي : والعفرة بياض ليس بالناصع ، والنقي هو النقي عن القشر والنخالة ، ومعلم أي لا بناء يستر ، ولا تفاوت يرد البصر . ولا تظنن أن تلك الأرض مثل أرض الدنيا ، بل لا تساويها إلا في الاسم ، قال تعالى * ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ والسَّماواتُ ) * « 1 » قال ابن عباس يزاد فيها وينقص ، وتذهب أشجارها ، وجبالها ، وأوديتها ، وما فيها ، وتمدّ مدّ الأديم العكاظي ، أرض بيضاء مثل الفضة ، لم يسفك عليها دم ، ولم يعمل عليها خطيئة والسماوات تذهب شمسها ، وقمرها ، ونجومها فانظر يا مسكين في هول ذلك اليوم وشدته ، فإنه إذا اجتمع الخلائق على هذا الصعيد تناثرت من فوقهم نجوم السماء ، وطمس الشمس والقمر ، وأظلمت الأرض لخمود سراجها ، فبينا هم كذلك إذ دارت السماء من فوق رؤسهم ، وانشقت مع غلظها وشدتها خمسمائة عام ، والملائكة قيام على حافاتها وأرجائها ، فيا هول صوت انشقاقها في سمعك ، ويا هيبة ليوم تنشق فيه السماء مع صلابتها وشدتها ، ثم تنهار وتسيل كالفضة المذابة تخالطها صفرة ، فصارت وردة كالدهان ، وصارت السماء كالمهل ، وصارت الجبال كالعهن ، واشتبك الناس كالفراش المبثوث ، وهم حفاة ، عراة ، مشاة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] » يبعث النّاس حفاة عراة غرلا « 2 » قد ألجمهم العرق وبلغ شحوم الآذان « قالت سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم راوية الحديث : قلت يا رسول الله وا سوأتاه ! ينظر بعضنا إلى بعض ؟ فقال شغل الناس عن ذلك بهم * ( لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه ِ ) * « 3 » فأعظم بيوم تنكشف فيه العورات ، ويؤمن فيه مع ذلك النظر والالتفات . كيف وبعضهم يمشون على

--> « 1 » إبراهيم : 48 « 2 » غرلا : أي من غير اختتان « 3 » عبس : 37